المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان

97

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله

وبلغ أشده ، قال اللّه تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [ الروم : 54 ] على أن تسمية الضعيف لا تطلق إلا على من له قدرة دون قدرة من هو أقدر منه ، وكذلك لا يسمى الجماد والميت ضعيفا لما كانا غير قادرين ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [ الروم : 54 ] وهذه الآية لا تعلق للخصم بها . وأما ما ذكره من قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ النور : 19 ] فصدق اللّه العظيم ، وبلغ رسوله النبي الكريم إنا لا نعلم الغيب ، ولا علم لنا إلا بما علمنا ، كما قال تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 4 ، 5 ] وكما قال تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 2 ، 3 ] فإن كان السائل يدعي أنا لا نعلم شيئا على سبيل الجملة فهذا جهل بحال النفس لأنا نعلم منافعنا ومضارنا ومعالم ديننا ، فلولا ذلك لما صح التعبد ولزم التكليف ، إذ تكليف ما لا يعلم قبيح ، واللّه تعالى لا يفعل القبيح . وأما قوله تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] فلا خالق إلا اللّه يرزقنا من السماء والأرض ، ويوجد الأجسام والأعراض الضرورية ، فلا يخلق إلا الحكمة والصواب ، وأفعاله كلها حسنة في باب الحكمة وإن كان بعضها محبوبا وبعضها منفورا عنه كالخير والشر ، الخير محبوب ، والشر منفور عنه والكل فعله تعالى ، فأما ما عدا ذلك فخلق العباد وأكثره قبيح ، وقد قال تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] وقال تعالى : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ [ الشعراء : 149 ] ، وقال تعالى : وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ الشعراء : 130 ] وقال : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [ البقرة : 91 ] إلى ما لا يحصى ولا يعد من إضافة الأفعال إلى العباد ، وفي قوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] .